محمد بن اسحاق ابن العباس الفاكهي المكي
16
أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه
فلما حفرها عبد المطلب دلّه الإله عليها وخصّه بها ، زاده اللّه بها شرفا وحظّا في قومه ، وعطّلت كل سقاية كانت بمكة حين ظهرت ، فأقبل الناس عليها التماس بركتها ومعرفة فضلها بمكانها من البيت وانها سقيا اللّه - عزّ وجلّ - لإسماعيل ابن خليله إبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - . وكان أول ما ابتدئ به عبد المطلب من أمرها وهو نائم في الحجر كما حدّثني يزيد بن أبي حبيب المصري ، عن [ مرثد ] « 1 » بن عبد اللّه اليزني ، عن عبد اللّه بن زرير الغافقي ، قال : إنّه سمع علي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - يحدّث حديث زمزم حين أمر عبد المطلب بحفرها ، قال : قال عبد المطلب : إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت ، فقال : احفر طيبة . فقلت : وما طيبة ؟ ثم ذهب عني ، فرجعت إلى مضجعي ، فنمت الغد ، فجاءني ، فقال : احفر برّة . قلت : وما برّة ؟ ثم ذهب عني ، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي ، فنمت ، فجاءني ، فقال : احفر زمزم . قال : قلت : وما زمزم ؟ قال : لا تنزف ولا تذمّ ، تسقي الحجيج الأعظم ، وهي بين الفرث والدم ، عند نقرة الغراب الأعصم « 2 » ، عند قرية النّمل . قال : فلما تبيّن له شأنها ودلّ على موضعها ، وعرف أنه صدق ، غدا بمعوله ، ومعه الحارث بن عبد المطلب ، ليس معه ولد غيره ، فلما بدا لعبد المطلب الطّوي كبّر ، فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته قاموا ، وقالوا : يا عبد المطلب ميراثنا من أبينا إسماعيل ، وإنّ لنا فيها شركا فأشركنا معك فيها . قال [ ما أنا بفاعل ] « 3 » إنّ هذا أمر خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم . قالوا : فأنصفنا فانّا غير تاركيك حتى نحاكمك
--> ( 1 ) في الأصل ( يزيد ) وهو تصحيف . ( 2 ) الأعصم من الغربان : الذي في جناحيه بياض ، وقيل : غير ذلك أنظر الروض الأنف 2 / 114 . ( 3 ) في الأصل ( قالوا : فأما نعالج ) ، والتصويب من سيرة ابن هشام ، وغيره . وفي مغازي ابن إسحاق ( فقال : ما هي لكم ) .